|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الدبلوماسية المصرية ـ السودانية والدائرة النيلية كتب -علاء عوض إذا كان يمكن لنهر أن يولد علاقة إنسانية فإن النهر الدولي الذي تخترق مياهه أراضي دولتين أو أكثر، وتؤثر على حياة شعوب كثيرة، يصبح بالضرورة محورًا للعديد من هذه العلاقات الإنسانية والقانونية والاقتصادية والحضارية بمفهومها الواسع والعريض، بل قد يتحول ـ هذا النهر ـ إلى رب العائلة للدول الواقعة على ضفافه والمنتفعة بمياهه. ونهر النيل الذي هو من أقدم أنهار الدنيا كلها وأعظمها طولا وأكثرها اتساعًا يؤثر على حياة شعوب دول مختلفة في أفريقيا هي مصر والسودان وأثيوبيا وكينيا وتنزانيا وأوغندا وأريتريا والكونغو الديموقراطية ورواندا وبوروندي. ولما كان لمصر علاقة خاصة بنهر النيل الذي لم يهب شعبها الحياة فقط، بل خلق أقدم حضارات العالم على أرضها، فإنه وضع مصر في تلك العلاقة الفردية حيال السودان وأثيوبيا وبقية دول حوض النيل. وقد كان نهر النيل دائمًا يشكل قنطرة وجسرًا ما بين شمال وجنوب الوادي وسائر دول حوض النهر العظيم، كما ساعد على صهر الحضارات والثقافات والأجناس ما بين مصر والنوبة والسودان وأثيوبيا، على مدى سبعة آلاف سنة. وإذا كانت حقائق التاريخ والجغرافيا تجعل من الدائرة الأفريقية، إلى جانب الدوائر العربية والإسلامية واللاإنحيازية هي دوائر العمل السياسي المصري، تأكيدًا للاعتبارات الموضوعية والحضاية والاستراتيجية وتحقيقيًا للمصالح الحيوية والمصرية والمشتركة بين مصر وبين هذه الدوائر جميعًا، فإن الدائرة النيلية تقف من هذه الدوائر الثلاث بمثابة الجذر العضوي الذي يضرب في أعماق الزمن، ويربط مصر والسودان برباط أبدي خالد، يكاد يكون هو الماضي والحاضر والمستقبل في آن معًا. ولا شك أن الإطار الطبيعي لكافة العلاقات المتشابكة ومجموع المصالح المشتركة لكافة الدول التي تنتمي لهذه العائلة النيلية الواحدة هي تعميق وتكريس الانتماء المشترك لدول عائلة حوض نهر النيل. تؤكد حقائق الماضي أن شعب مصر الذي أدرك بوعي منذ آلاف السينين، وضعه كدولة نيلية قد وضع نصب عينيه منذ فجر التاريخ الإنساني أن يثري ما يربط بينه وبين شعوب وسط وشرق أفريقيا الآخريات الواقعة على حوض نهر النيل العظيم. ولكن أصبح اليوم أكثر من ضرورة حيوية قيام الدبلوماسية المصرية والسودانية بهذا الدور الرائد، فإذا علمنا أن الاقتصاد هو في النهاية صانع الحرب والسلام وأن الصراع الدائر في أنحاء متفرقة من العالم قد تحول من صراع مذهبي بحت إلى صراع من أجل التقدم والبناء لوضح ثقل العبء الذي يواجه كل من الشعبين الشقيقين اليوم وغدًا من أجل الحفاظ على الموارد الطبيعية وأهمها الماء العذب ومنع تبدير أي جزء مهما بلغت ضالته ولعله من نافلة القول أن نذكر أن الماء العذب في أي مكان في العالم يشكل حجر الزاوية في أي تقدم زراعي أو صناعي حتى أن بعض الدول تقوم باستخدام التكنولوجيا الحديثة لتعميم عملية اعذاب المياه أو نقل جبال الثلج من المناطق القطبية للاستفادة بها في الأغراض الزراعية والصناعية المختلفة. وقد كانت معرفة المصرين الأولي بالنيل لا تتعدي الشلال الأول وكانت دنياهم التي عرفوها تنحصر في ذلك الوادي الخصيب الذي كانوا يعيشون فيه، تحده الصحراء من جانبيه والبحر من شماله والجنادل من جنوبه، وسايره المصريون إلى منابعه مخترفين الستار الذي ظل آلاف السنين يحجب وراءه أسرار هذا النهر المقدس فتغلغلت في منطقة السدود ووصلت إلى بحيرات خط الاستواء.. تحمل شعلة التنوير. ثم تحكم المصريون في النهر فجعلوه يتهادي بعد أن كان ثائرًا متمردًا.. وتتابعت الأعمال الهندسية الكبرى على النهر واحدًا تلو الآخر.. فأنشأ مينًا الجسر الأيسر للنهر لتأمين سلامة البلاد.. ثم تبعه خلفاؤه فأقاموا الجسر الأيمن ثم أنشاءوا السدود والقناطر والخزانات للحفاظ على بلايين الأمتار المكعبة في مياه النهر الذهبية التي كانت تتدفق إلى البحر لتضيع في جوفه هباء. وجال الفن الهندسي المصري وصال فأبدع واخترع وسجل على معابد أقدم حضارة عرفها العالم وتناقلتها الدنيا كلها جيلا بعد جيل. اتفاقيات الحفاظ على المياهوفي إطار العمل الجاد والهادف من أجل الحفاظ على كل قطرة ماء من مياه النيل.. وبدأ المصريون في الاتصال بالدول النيلية الشقيقة للاتفاق على الأسلوب الأمثل الاستغلال مياه هذا النهر العظيم، وتنميتها لصالح الدول النيلية جميعًا. ففي 15 مايو عام 1902 وقعت معاهدة بين بريطانيا والحبشة أفردت مادة خاصة للحفاظ على الحق المكتسب والطبيعي لدول الأحباش السفلي من مياه النيل. في عام 1929 وقعت اتفاقية مياه النيل.. لضبط استخدام مياه النيل في السودان حتى لا يؤثر ذلك على حق مصر في مياه النيل. وفي عام 1949 بدأت الحكومة المصرية في التفكير في تنفيذ المشروعات المرتبطة بسياستها المائية التي ت وضعها عام 1933.. متضمنة برنامج التوسع الزراعي في البلاد حتى عام 1953.. في حدود مياه التخزين الإضافية الناتجة عن تعلية خزان أسوان للمرة الثانية وإنشاء خزان جيل الأولياء والتخزين المستمر بالبحيرات الاستوائية وفي إطار تفكير حكومة أوغندا في استغلال مساقط نيل فكتوريا لتوليد القوى الكهربائية ببناء سد عند مخرج بحيرة فكتوريا لهذا الغرض. فإن الحكومة المصرية رأت الانتقال إلى التخزين في بحيرة فكتوريا للتوفيق بين مصالح البلدين.. ودارت المفاوضات بين مصر وبريطانيا.. لكي تشترك مصر في هذا المشروع الهام من بدايته من حيث التصميم وإنشاء السد وتشغيله بعد إتمامه مع الاشتراك في دفع التكاليف والمصاريف السنوية بالنسبة للفائدة التي تعود على كل من البلدين وتم الاتفاق على إنشاء هذا السد عند شلالات أوين للانتفاع بالتخزين المستمر ببحيرة فكتوريا وتكوين رصيد احتياطي بها لصالح صر وأوغندا معًا. ومازال هذا المشروع إلهام يؤدي الغرض الذي أنشئ من أجله بالتعاون بين الفنيين المصريين والأوغنديين. وأنشئ خزان سنار عام 1925 على النيل الأزرق لصالح السودان وفي عام 1937 أنشئ خزان جيل الأولياء لصالح الريف الصيفي في مصر. ثم قامت مصر السودان بتوقيع الاتفاق الخاص بالانتفاع الكامل بمياه النيل فوائدها بين البلدين وذلك على أساس أن تنشئ مصر السد العالي عند أسوان وأن تنشئ السودان خزان الروحيرص على النيل الأزرق وأي أعمال أخرى تراها السودان لازمة لاستغلال نصيبها، كما تم الاتفاق على أن يقسم إيراد النهر السنوي بين البلدين بما في ذلك صافي الفائدة من السد العالي على أن يكون نصيب مصر منها 55.5 مليار متر مكعب واتفق على إنشاء هيئة فنية دائمة بعدد متساو من فنين البلدين لتحقيق التعاون بين الحكوميتين والسير في البحوث والدراسات اللازمة لضبط النهر وزيادة فوائده ولاستمرار الأرصاد المائية على النهر في أحباسه العليا. قامت هذه الهيئة في عام 1966 بالاتفاق مع الدول النيلية المطلة على هضبة البحيرات الاستوائية وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية بإنشاء الهيئة الفنية للدراسات الهيدرولوجية لحوض البحيرات الاستوائية وكان عملا رائدًا مختذي به كافة الدول المطلة على نهر واحد.. وبعد بناء السد العالي كان نصيبنا السنوي المضمون من إيراده 55.5 مليار من الأمتار المكعبة غير أنه من المؤكد أن كثيرًا من الجهود مازال لازمًا لنستخرج خيرات النيل كلها وتفيد منها. من الحقائق المعروفة مثلا أن جملة الإيراد السنوي الواصل لحدود السودان عبر نيل البرت هو 25.8 مليارًا من الأمتار المكعبة، وهذه المياه لم تأت من مصدر واحد أو دولة واحدة وإنما جاءت من مصادر متعددة، تنتشر في ستة دول هي تنزانيا وكينيا ورواندا وبوروندي و الكونغو الديمقراطية. وهنا كميات أخرى من المياه تضيع هباء داخل تلك الدول لذا ف علينا أن ندرس مع السودان وبقية دول النيل إمكانية استقطاب أكبر جزء ممكن من هذه الفواقد لنزيد به إيراد النهر حيث يعود بالفائدة المشتركة عل كل من هذه الدول، حيث أن أية مشروعات تقام في تلك المناطق وهي محتملة بين وقف وآخر ستؤثر تأثيرًا مباشرًا على إيرادنا الطبيعي من مياه النيل لذلك فتواجد الدبلوماسية المصرية بالتكامل مع الدبلوماسية السودانية في مناطق حوض النيل المؤثرة. ولعله من الواضح أن بلغو الغاية في ضبط النيل، وإتمام الانتفاع بإيراده كاملا وتنفيذ الأعمال تزيد من إيراده، وتقلل الفواقد لا تكون ميسورة إلا إذا تم التعاون الفني وسياسي وثيق بين جميع الدول الواقعة في حوضه وهي كثيرة. فعلى هذه الدول أن تدرك ما لغيرها على النهر المشترك من حقوق فلا ت تصور الدول الواقعة عند المنبع أو في أعلى النهر، أن ما ينساب في ربوعها وقف عليها وحدها، أو ملك خاص بها تتصرف فيه كما تشاء مما يجعل تفكيرها في أي استغلال للنهر مقترنًا بوجوب الاتفاق عليه قبل تنفيذه مع الدول الأخرى التي يمكن أن تتأثر به مما يدل على احترام تلك الدولة على الشركة الصالحة المتفقة مع القانون الدولي وروحه. إن الدول المنتفعة بمياه النيل لا تتقاسم مياه النهر وحدها بل تتقاسم أيضًا التراث التاريخي العرقي والثقافي لحوض نهر النيل ووحدة اللغة والدين أحيانا كما في مصر والسودان ويكون خطوة جديرة بالتحقيق وتفعيل دور منظمة الاندوجو بشكل أقوى وتكون هناك خطوات فعلية لكبرى دول النيل وهي مصر والسودان ولا تكون مجرد شعارات ونداءات فقط ونختتم بكلمات من محاضرة د/ بطرس غالي وزير الدولة للشئون الخارجية وأمين عام الأمم المتحدة السابق ألقاها في محاضرة بمقر الاتحاد الاشتراكي السوداني بالخرطوم في يونيو 1983 جاء فيها: "إذا كانت كل من الدبلوماسية المصرية والسودانية قد أهملت في الماضي الدائرة النيلية، وانشغلت بالتركيز على اهتمامات سياسية أخرى، فإن أملنا في المرحلة الراهنة أن تعطي الدبلوماسية التكاملية أولوية للدائرة النيلية على كل ما عداها باعتبار أنها هي المحور الحقيقي للدبلوماسية التكاملية، كما أنها تشكل النواة الأكثر نضجًا في اتجاه بلورة تكامل سياسي أشمل يضم كافة دول حوض النيل". وبعد أكثر من عشرين عامًا نتمنى دور تفعيلي أكبر للدبلوماسية المصرية السودانية مع كافة دول حوض النيل في الدائرة النيلية. |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
و اقرأ ايضا : |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||